فخر الدين الرازي
166
القضاء والقدر
مذموما . قال تعالى ؛ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا « 1 » . وأما المعقول . فهو أن الحمد في اللغة عبارة عن مدح الفاعل على الإحسان الذي صدر منه « 2 » . فإذا لم يكن الفعل فعلا له ، امتنع مدحه عليه . وإنما قلنا : إنه يحسن من العبد أن يحمد اللّه على الإيمان : لإطباق الأمة على قولهم : الحمد للّه على نعمة الإيمان . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنا بحمد اللّه على الإيمان ، بمعنى : أنه تعالى أعاننا على الإيمان ، وأقدرنا عليه ، وأرشدنا إلى كيفية تحصيله ؟ وأيضا : فمذهب « ثمامة بن الأشرس » « 3 » إنا لا نحمد اللّه على الإيمان ، بل اللّه تعالى يحمدنا عليه . كما قال تعالى : فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً « 4 » وقال : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً . فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ « 5 » وقال : وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ « 6 » . والحاصل : إنا نحمد اللّه على الإقدار على الإيمان . واللّه تعالى يشكرنا على فعل الإيمان . وعند هذا قال : « ثمامة » : لا يجوز أن يقال : الحمد للّه على نعمة الإيمان ، ومنع هذا الإجماع . والجواب عن الأول : إن الإيمان غير ، والقدرة على الإيمان غير . فهب أنا نشكره على أن أعطانا القدرة على الإيمان ، لكن كيف نشكره على الإيمان ، مع أنه تعالى ما أعطانا الإيمان ؟ . وأما السؤال الثاني : فهو باطل . لأن إجماع الأمة على قولهم : الحمد للّه على نعمة الإيمان : معلوم بالتواتر . فكان منكره منكرا للإجماع . والذي يدل على أن هذا الإجماع معلوم بالتواتر : أن
--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 188 . ( 2 ) يفرق الرازي رحمه اللّه بين الحمد والمدح والشكر في تفسيره لسورة الفاتحة من تفسيره الكبير قائلا : « المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده . أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان . . . أما الفرق بين الحمد وبين الشكر فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الأنعام أو إلى غيرك وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك . . » ( 1 / 218 ) . وبعضهم يجعل « الحمد الثناء على الجميل من نعمة أو غيرها باللسان وحده . . » ( البحر المحيط لأبي حيان 1 / 18 . والنسفي 1 / 5 وابن كثير 1 / 22 والزمخشري 1 / 7 والشوكاني 1 / 19 . وقال ثعلب : الحمد يكون عن يد وعن غير يد . والشكر لا يكون إلا عن يد . ولم يفرق اللحياني بينهما وكذا الأخفش وقال الأزهري : الشكر لا يكون إلا ثناء ليد أوليتها والحمد قد يكون شكرا للصنيعة ويكون ابتداء للثناء على الرجل . . . والحمد أعم من الشكر . ( أنظر لسان العرب مادة حمد 2 / 987 ) . ( 3 ) هو أبو معن ثمامة بن أشرس النميري من مشايخ المعتزلة وتنسب إليه فرقة « الثمامية » توفي سنة 213 ه . وكان أخذه عن أبي هذيل العلاف . وكان كاتبا بليغا بلغ من المأمون منزلة جليلة وأراده على الوزارة فامتنع . وله من الكتب الحجة والخصوص والعموم في الوعيد ، والمعرفة . . الخ . أنظر : الفهرست 207 ، لسان الميزان 2 / 83 ، طبقات المعتزلة 62 ، مروج الذهب 3 / 420 ، تاريخ بغداد 7 / 145 ، ميزان الاعتدال 1 / 372 ، الأعلام 2 / 86 وتاريخ التراث العربي 2 / 396 . وانظر مذهبه في : الملل والنحل للشهرستاني 1 / 70 ، الفرق بين الفرق 172 . التبصير 73 ؛ والاعتقادات للرازي 41 . ( 4 ) سورة الإسراء الآية 19 . ( 5 ) سورة البقرة الآية 158 . ( 6 ) سورة آل عمران الآية 115 .